لندن – جويس منصور:

الكاتبة والشاعرة والفنانة التشكيلية جومانا أبو مطر، ولدت في بعقلين – الشوف. تصادقت مع القلم والريشة والألوان في سن مبكرة، أغنت موهبتها بالدراسة والجد. غزيرة في عطاءاتها الفنية، ألهمتها الطبيعة والإنسان والتراث والوطن… وأبكتها بيروت المدمرة… فزارتها مستذكرة قصة طائر الفنيق الذي بُعث مجدداً من رماده إلى الحياة… وهي اليوم مستمرة من خلال الريشة والألوان والقلم، ببث خيوط الأمل داخل القلوب والنفوس.

  1. في وقت تنزف فيه الأوطان تتجه عيون الناس نحو المفكرين والمبدعين من أبناء الوطن ليقولوا كلمتهم.

ما هي كلمة الشاعرة والفنانة التشكيلية جومانا أبو مطر اليوم للبنانيين؟

ج. أقول لأبناء وطني لبنان ونحن ننزف ألمًا من جراء أوضاعنا المعيشية والحياتية، علينا أن نصمد لأننا شعب مثقف وقوي وراقٍ، ونعي حجم المشكلة التي نخوضها منذ سنين. أقول علينا أن نتذكر نحن أحفاد الفينيقيين، ذلك الشعب الذي مثله مثل قصة طائره الذي ينفض جناحيه من تحت الرماد ليحلق من جديد ونبني الوطن.

  • تقولين أرسم حين أشعر بالمخاض، وتقولين أيضاً أنّك تبوحين بألوانك بالصراخ الداخلي، ما هي ألوانك اليوم، وماذا يقول صراخك الداخلي؟

ج. كوني فنانة وكاتبة وشاعرة أرسم بتلقائية أرسم شعوري، فالفنان لا يمكن أن يعيش بمنأى عن مجتمعه وعن وطنه، لذا أرسم على إيقاع الفرح والوجع في وطني. أرسم بصمت لأن ألواني تضج وتصرخ، وتعبرعما نحن نمر به. فالمخاض الروحي والنفسي الذي أعيشه لا بدّ لريشتي ولقلمي إلا أن يُدوّناه. أنا أعيش بصدق مع مشاعري، وأنا أتألم في كل يوم لألم شعبي وأهلي وجيراني ووطني. نحن نعيش مأسات كبيرة جداً يدمع لها القلب قبل العين.

  • 3.   حسابك الخاص على السوشال ميديا ينشط بصور لوحاتك الفنية الجميلة وبتأملاتك الشعرية. ماذا عن هذه المعارض الفنية عبر الإنترنت خلال فترة الوباء وكيف تصنفين الدور الذي لعبته وسائل التواصل الإجتماعي بتقريب المسافات خلال هذه المرحلة؟

ج. نعم أضع على صفحتي صوراً للوحاتي وأضع أيضًا كتاباتي وتأملاتي الأدبية، خاصة خلال فترة الحجر المنزلي، كان لنا نحن الفنانين دور في نشر الوعي الثقافي والفني، وهذا ساعدنا أن لا نشعر بالإحباط من جراء ما كان مفروضاً علينا. شعرت أن التواصل عبر الإنترنت مفيد فوجعنا واحد، ومشاكلنا واحدة، ومتطلباتنا لهذه الحياة واحدة، فحاولنا أن نظهر قدر المستطاع الجانب الإيجابي خلال هذه الفترة، لأني أشعر أنه علينا أن نرفع رايات الأمل مهما كانت الظروف قاتمة، ومهما شعرنا أن قلوبنا مطبقة.

وأقول إننا مهما مررنا بممرات مظلمة لا بد أن نرى النور. وهذا النوع من التواصل بوضع المقطوعات الأدبية وصور اللوحات لا بد أن يلقى إيجابية لدى الناس. بهذه الطريقة نكون قد أوصلنا رسالتنا للمجتمع.

  • أبكتك بيروت وأبكتنا جميعا بيروت المدمرة، جومانا بو مطر لماذا رسمت بيروت المدمرة، ما كان شعورك وأنت ترسمين هذا الحدث ضمن لوحتين، وأين هما اللوحتان اليوم؟
لوحة بيروت بعد الانفجار الكبير في المرفأ

ج. نعم أبكتني بيروت وأبكتني الفاجعة التي تلقيناها بوجع رهيب. واجتمعنا سبعة وأربعون فناناً من سبع دول عربية، بهدف أن نؤرخ الحدث الفظيع ضمن ورشة عمل دامت عشرة أيّام. لا يمكنني أن أصف الوجع الذي أحسسنا به ولكن رسمنا لوحاتنا بريشنا الدامعة، على وقع خفقان قلوبنا التي دمرّها هذا الحدث الأليم. لا يمكن أن أنسى الحرائق التي تطفو على وجه القلوب، ووجه الحجر والبشر، والصراخ الأليم، حاولت قدر الإمكان أن أجسده بلوحتين.

هاتان اللوحتان موجودتان عندي في البيت، وكلما نظرت إليهما أشعر أن هذا الانفجار قد حصل من ثوانٍ لشدة وقع الألم. وأنا حينما تهدأ الأمور سأقدمهما للمتحف، ضمن محاولة أرشفة فنية للألم الذي مرّت به بيروت.

نحن نعيش مأساة أمّة تحركت فوق بطاحها هموم وغيوم حارقة، أشعلت في خبايا الأفئدة حزنًا لا ينطفئ. لكن سيبقى الأمل كبيراً داخل قلوب اللبنانيين الذين وحّدَهم الألم.  وأنا حاولت أن أجسد الحدث بألواني وبشعري أيضاً، وصفته بشعري باليوم المرير.

مقتطف شعري للشاعرة جومانا أبو مطر:

وطني سيبقى مربض الكبار ومقلع الحب والأحلام

أين منك الآن أين ذاك؟ وذاك؟ وأين أسراب الطيور

ترفرف فوق بطاحك الخضراء

تنادي الأمن والسلام…

  • كتبت شعرا لفاجعة بيروت تحت عنوان “بيروت وجعي الكبير”، تصورين الفاجعة بكلمات، تمرً فيها خيالات بيروت القديمة الجميلة. لا يمكن تقدير خسائر بيروت البشرية والمادية والمعنوية، ولكن برأيك كشاعرة ومفكرة ماذا خسرت “ست الدنيا” وهل يمكن أن نستعيد بيروت القديمة؟

ج. نعم كتبت شعرا بالفاجعة لأن الخسارة خسارة أنسانية كبيرة لا يمكن أن يتحملها بشر، خسرت بيروت الكثير من معالمها، وخسرت جمال ابتسامة أهلها، وأرواحاً بريئة، ومرفأها الذي هو قبلة اقتصادية مهمة للعالم، ومعالم بيوتها الأثرية التراثية التي من أجلها كان يزورنا الفنانون من كافة أرجاء العالم ليرسموها. خسرت المقاهي التراثية التي يؤمّها المثقفون والفنانون وكل الفئات الشعبية. الخسارة لا تقدّر بثمن.

لكن بيروت ستبقى منارة الشرق مهما حاول حسادها أن ينالوا منها. الشعب اللبناني راقٍ ومحب مهما حاولت الأحزاب أن تفرق، فداخل قلوبنا وعقولنا حرية رأي. كل اللبنانيين في الداخل والخارج متكاتفون على الحلوة والمرة. ندمع معاً ونفرح معاً، ولا فرق لدينا بين المذاهب.

مقتطفات من شعر: “بيروت وجعي الكبير”

أيا أمواج بلادي.. يا وجعي الكبير

يدهشني بك الخفق المهيب..

يردني إلى رصيف بعيد رهيب

يأخذني إلى كهف أضيئ به شمعة

وأكفكف جمعي بمنديل صغير…

  • مواضيع لوحاتك متنوعة مختلفة جميلة أنيقة… حدثينا عن المعارض التي شاركت فيها؟

لوحة فنية ضمن لوحة طبيعية. الفنانة جومانا ابو مطر ترسم في الحديقة

لوحة فنية ضمن لوحة طبيعية. الفنانة ابو مطر ترسم في حديقتها

ج. عندما أرسم أشعر بأنني في عالم آخر، وعندما أنتهي من لوحتي أتأملها وأضع لها اسما يليق بموضوعها.

وأنا أرسم مواضيع مختلفة، بدءاً بجمال لبنان، ومواضيع اجتماعية وواقعية، وأيضاً رسم تعبيري وإنساني. وأحاول دوماً أن أضع لمسة من الفرح والأمل لأرسل بشائر فرح للمتلقي.

وحين أرسم وأنا خارج لبنان، أشعر أنني أحمل لبنان على منكبي وأرسم. في باريس رسمت مدينتي خلف الأسلاك، وقصدت بها بيروت التي فيها وراء كل نافذة حكاية، ووراء كل منعطف قصة ألم وقصة مجد وعطاء وثقافة، وجمال. في إسبانيا رسمت النفس الأخير والذي أرمز فيه إلى طائر الفينيق. رسمت ربيع لبنان وأنا في مراكش، ورسمت الفتيات الثلاث في معرض اللوفر في باريس مع 400 فنان مشارك. وقامت لجنة بتقييم اللوحات عند انتهاء المعرض، وبعد ثلاثة أشهر، أعلنت النتائج، ففاز عشرون فناناً، كنت أنا واحدة منهم، نلت جائزة ليوناردو دافنشي من تلك اللجنة الأوروبية التي قيمت جميع اللوحات.

أيضاً رسمت في بيروت لوحة القدس ولوحة الحياة التي عرضت في Expo Beirut وExpo Paris، وهما لوحتان معبرتان.

  • عطاءاتك الشعرية سخية جداً تكللت بمجموعة كتب ودواوين. حدثينا عن مصادر الإلهام، وأخبرينا إلى من توجهين شعرك؟

ج. كتبت الشعر الصوفي والوطني والوجداني، حالات كثيرة في الحياة تلهمني، تناولت في أشعاري مشاعر الروحانية والمحبة. أحب أن أضع الأمل والفرح في نهاية كل قصيدة. وأنا أتوجه بشعري لكل انسان يحب ويؤمن بالعواطف الإنسانية ويحترم الشجن الجميل.

وقد أصدرت كتبا شعرية عدة وهذه عناوينها:

شوق على أرض الجراح

عطش الأماني

الرسم شروق في جنة الروح

حفنة نور

خيوط الحرير

نجمة الصبح والمغيب

  • في بلادنا غالباً ما لا نشجع أولادنا أن يصبحوا رسامين أو فنانين لأننا نعتقد أنهم سيمضون حياتهم فقراء ماذا تقولين؟

ج. علينا أن نشجع أولادنا على احتراف فن الرسم منذ الصغر، ولكن الفن لا يمكن تعليمه إذا لم يقترن بالموهبة، ودورنا كأهل هو أن ننمي موهبة أولادنا، رغم أنّ احتراف الفن في لبنان لا تأتي منه فائدة مادية كبيرة يمكن أن نعتمد عليها في الحياة.

لكن احتراف الفن هو مصدر فرح وثقافة للإنسان وللمجتمع، ويجب أن يبقى الفن لأجل الفن. وفنون الرسم والشعر والأدب هي رمز من رموز ثقافة الأوطان، وهي المظهر الجميل للأمم والمدن. وأنا أشجع التعاطي بالأمور الفنية لأنها واجهة الأمة. هي أيضاً متنفس للإنسان وراحة للروح وتنقل حالة وجدانية صادقة للمجتمع الذي يعيش فيه الفنان. على أن يكون الفنان فعلاً ينقل بصدق مشاعره إلى الآخرين.

  • ماذا تقولين للأم اللبنانية بمناسبة عيد الأم؟

ج. الأم هي الحياة في بيتها ومجتمعها، هي رمز التضحية وهي تنشئ المجتمع الفاضل. فهي اذا ربّت أولادها على أسس سليمة يصبح المجتمع سليماً. هي مدرسة الحياة الأولى.

مقتطف من شعر للأم

أمي أرنو إليك في قلبي ومرآتي

في وجه القمر ووجهه الماسي

يمجدك الله بقلب حباه بالحب

يا فيض ورد وأرواح وأزهار

أراك أمي في جمال الكون

ولونه القاني

يا لجين فكري وغمرة احساسي

يا بسمة الفل في رحاب، وشمس الأمل في مسار

10. هل من كلمة أخيرة؟

ج. أود أن أختم بهذا الشعر…

 أنا يا صديقي متعب بعروبتي

تركوني أجادل بقضيتي، أدور في حلقة مفرغة

أستجير ببعض الضمائر

لكن يا صديقي لا صوت لمن تنادي

باعونا بالمراتب والكراسي

وبعض الأوراق والتيجان والمناصب

تركوا لنا الفُتات نقتات بها

وقلوبنا معلقة على حبال واهية

جمعتي ليست سراباً على خدي

بل ضياء أكتب بها قضيتي بيروت يا فرحتي التائهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *